تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
ثم قوله - عزّ وجل - :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
أي : ما عرفوا الله حق معرفته . أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وسع الخلق ، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتمله وسع البشر بينهم ، فأما معرفة الله حق معرفته أو تعظيم الله حق عظمته ما لا يحتمله وسع الخلق ، وهو لم يكلفهم أن يعرفوه حق معرفته أو يعظموه ؛ لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك وإنما كلفهم ما احتمله وسعهم ؛ فالمشبهة - حيث وصفوه كما وصف الخلق من يعاينوه - لم يعرفوه المعرفة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم ، ولا عظموه العظمة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم . ثم إن الله - سبحانه - جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال ، لا بأفعال المحسوسات ، فلا تفهم معرفته ، ولا تقدر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل الله - سبحانه وتعالى - الخلق على قسمين : قسم منها مما يحاط به وتدرك حقيقته ، وهو المحسوس منه والمدرك . وقسم مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها ، وهو غير محسوس من العقل ، والبصر ، والسمع ، والروح ، وغير ذلك ، فإذ لم يدرك من خلقه ولم يحط به مما سبيل الاستدلال [ عليه ] بآثار الأفعال بالحس ، فالذي أنشأ ذلك وأبدعه أحق ألا يدرك ولا يحاط بمعرفته كما يحاط ويدرك المحسوس معرفته ؛ إذ الموصل إلى معرفته الاستدلال بآثار الأفعال [ لا ] بالمحسوس ، والله أعلم . وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق ؛ من نحو الاستواء ، والمجيء ، والإتيان ، ونحو ذلك ، ولا يقدر منه ما يقدر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فهم من مجيء الخلق ولا إتيانهم ؛ فعلى ذلك لا يفهم قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ما يفهم من قبضة الخلق وطيهم ويمينهم ؛ بل يفهم من ذلك كله [ ما يفهم ] من قوله - عزّ وجل - :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] كل ما ذكر من القبضة والطي واليمين في ذلك
كُنْ
[ دون أن كان منه ] كاف أو نون أو شيء من ذلك ، لكنه ذكر
كُنْ
؛ لأنه أخف كلام على الألسن ، وأوجز حرف يفهم منه المعنى ويعرف فيما بين الخلق ، والله أعلم . وأصله أن الله - عزّ وجل - خاطبهم بما تعارفوا فيما بينهم حقيقة ، وإن كان ما تعارفوا فيما بينهم منفي عن الله - تعالى - نحو ما ذكر
لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ الحجرات : 10 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
[ آل عمران : 182 ] ، وقوله :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
[ فصلت : 42 ] لما باليد يقدم ويؤخر في الشاهد ، وإن لم يكن ما ذكر عمل اليد ، وذكر بين يدي ما ذكر ، وإن لم يكن بين يديه ؛ لما
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 704 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم