تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 701

مساهمون:

ص٧٠١
فإذا كان المعدوم شيئا - على قولهم - كما شيئية الأشياء لم تزل كائنة . ويقولون : إنه لم يكن من الله إلا إيجادها ، فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به ؛ فضلا عن أن يكون خالق كل شيء - على ما ذكر - ووصف نفسه بخلق كل شيء ، فيكون كل شيء قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدهرية والثنوية ؛ لأن الدهرية يقولون بقدم الطينة ، والهيولى ، ونحوه ، وينكرون كون الشيء من لا شيء . وكذلك الثنوية يقولون بقدم النور والظلمة ، ثم كون كل جنس من جنسه ، وكون كل شيء من أصله . فعلى ذلك قول المعتزلة : إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلهما . ثم قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
يخرج على ذكر الربوبية ، والألوهية ، والوصف له بالمدح ؛ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله - عزّ وجل - تخرج مخرج الوصف له بالتعظيم والإجلال له ، وإضافة الأشياء المخصوصة إليه تخرج مخرج التعظيم للمضافة إليه . وإذا كان ما ذكر ما كان قوله - عزّ وجل - :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
مخصصا شيئا دون شيء - على ما يقوله المعتزلة - لم يخرج مخرج الوصف له بالربوبية والألوهية ، ولا خرج مخرج المدح له والتعظيم ، ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالقا لأفعال الخلق لم يكن خالقا من عشرة ألف شيء « 1 » ، فدل أنه خالق الأشياء كلها للأفعال والأجسام والجواهر جميعا . فإن قيل : إنكم لا تقولون : خالق الأنجاس والأقذار والخنازير ونحوه ، فإنما يرجع قوله - عزّ وجل - :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
إلى خصوص . قيل : إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص : يا خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر ؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء والذم ، وكان في الجملة يوصف بذلك ، ويدخل الأشياء كلها في ذلك ؛ لما ذكرنا أن قوله - عزّ وجل - :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له ، والوصف بالربوبية له والألوهية ؛ ألا ترى أنه لا يقال - على التخصيص - : إنه وكيل ؛ وإن كان في الجملة يقال - كما ذكرنا - :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
؛ لأنه في الجملة يخرج مخرج الربوبية له والألوهية ، والوصف له بالمدح ، وعلى التخصيص والإفراد ، [ يخرج ] على الهجاء والذم ؛ لذلك افترقا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. كأنه يقول :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
.
هامش
( 1 ) كذا في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 701 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم