تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 695

مساهمون:

ص٦٩٥
حتى ينزل الله الآية بشأنه خاصة ؟ ! ثم قوله - عزّ وجل - :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
يحتمل وجهين : أحدهما : يقول - والله أعلم - :
يا عِبادِيَ
الذين جنوا على أنفسهم ، وأوردوها المهالك بارتكاب ما ارتكبوا من الإسراف والكبائر
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
؛ فإن قنوطكم من رحمة الله وإياسكم منه لا يغفر ولا يجاوز وذلك أعظم وأفظع ؛ إذ رجع أحدهما إلى أنفسهم والآخر إلى رحمة الله وفضله . والثاني : يقول : إنكم وإن أسرفتم فيما ارتكبتم من الكبائر والفواحش ، وأعرضتم عن أمر الله فلا تقنطوا من رحمة الله بعد إذ تبتم عما كنتم فيه ، ورجعتم عما كان منكم [ وأما ] في الوقت الذي خرجت أنفسكم من أيديكم ؛ فلا يقبل ذلك منكم ، وهو وقت نزول العذاب بهم وإشرافه عليهم ؛ لأن التوبة في ذلك الوقت توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم ؛ كقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
[ غافر : 84 ] ، ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت الذي خرجت أنفسهم من أيديهم ؛ حيث قال - عزّ وجل - :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ غافر : 85 ] ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
. لمن يشاء .
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
. وذكر عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال : أرجى آية في القرآن هذه الآية ، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية ؛ فإنها نزلت بالمدينة « 1 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ . . .
الآية . كأنها صلة ما تقدم من قوله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه ورجعتم عما كان منكم ، ثم قال - عزّ وجل - :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ
: قال بعضهم : أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم ، وأخلصوا له تلك الطاعة ، ولا تشركوا فيها غيره .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 30184 ) .