تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 687

مساهمون:

ص٦٨٧
وخرج ما به تدرك الأشياء ، وبقي منها ما به تحيا ، وهو الروح ، فإذا خرجت الروح منها ، وإن كانت لا تدرك شيئا على الهيئة التي كانت من قبل ، دل ذلك على أن الذي به تدرك الأشياء غير الذي به تحيا ؛ والله أعلم ؛ ألا ترى أنها في حال النوم تلك الأنفس الدراكة حيث كانت تتألم وتتلذذ ، وتقضي الشهوات وهي في أقصى الدنيا ، هذا كله يدل على ما ذكرنا ، والله أعلم . ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلذذ الأنفس الدراكة ، لا على الروح ؛ على ما ذكرنا من تألمها وتلذذها بعد خروجها من الأجساد ومفارقتها عنها ، والله أعلم . ثم أضاف في هذه الآية التوفي إلى الله ، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل ؛ حيث قال الله - عزّ وجل - :
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا . . .
الآية [ الأنعام : 61 ] ، وأضافه مرة إلى ملك الموت حيث قال - عزّ وجل - :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ . . .
الآية [ السجدة : 11 ] ، ثم يحتمل إضافة التوفي [ إلى ] الرسل وإلى ملك الموت وجهين : أحدهما : وإن كان حقيقة التوفي والموت بالله ؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح منها ، ويشاء ذلك منهم ، وهو كما ذكر من البشرى لهم [ و ] طمأنينة القلوب عند بعثه إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر ؛ حيث قال - عزّ وجل - :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ
[ آل عمران : 126 ] [ و ] قال - عزّ وجل - :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ آل عمران : 126 ] ، أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر ، وأن حقيقة النصر ليس إلا من عند الله ، فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفي إلى الرسل ؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح ، وكان حقيقة ذلك لله - عزّ وجل - والله أعلم . والثاني : أن يكون من الله لطف في ذلك ، ومعنى لا يكون ذلك منهم ، لكنه لم يبين ما ذلك اللطف وذلك المعنى الذي يكون منه ، والله أعلم بذلك . ثم قوله :
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
أي : حين خلق موتها يقبض الروح منها . وقوله :
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
لم يقبض منها الروح ترسل إليها النفس الدراكة إلى الأجل الذي جعل لها ، والله أعلم . وقوله :
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
جائز أن يكون من القبض ؛ أي : يقبض الأنفس . وجائز أن يكون من العد ؛ كقوله :
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
[ مريم : 84 ] . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يحتمل قوله :
لَآياتٍ
: العبر ، أو الأعلام ، أو الحجج .