تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
فيما امتحنهم لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إليه ، أو لمضرة يدفع عن نفسه ، ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل ، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن ، إحداها هذه ؛ حيث قال :
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
. والثانية : بما قال - عزّ وجل - :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] أي : فعليها ، وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم ، ولا قوة إلا بالله . ثم قوله :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أرسلت وأمرت بتبليغه إليهم ؛ كقوله :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى : 48 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ
[ النور : 54 ] ، وقوله - تعالى - :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 52 ] ، وقوله :
وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
[ النساء : 80 ] والوكيل : الحفيظ ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها . . .
إلى آخر ما ذكر . قال ابن عباس « 1 » - رضي الله عنه - : كل نفس لها سبب تجري فيه ؛ فالتي قضي عليها الموت فتجري في الجسد كله . لكن لم يفهم مما ذكر ابن عباس تأويل الآية . وعن سعيد بن جبير « 2 » قال : يجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات فيتعارف ما شاء الله أن يتعارف ، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها ، وبهذا - أيضا - لم يفهم شيء من تأويل الآية . وقال الكلبي : النائم متوفى حتى يرد الله إليه [ روحه ] ، فأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعا ويرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلها المسمى ، وهو الموت . ويقال : إنما يقبض الله من النائم النفس ، والروح في الجسد لم تفارقه ، فإذا قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح . وهذا الذي ذكره الكلبي أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكره أولئك ، وأصله : أنّ الله - عزّ وجل - جعل في الأجساد أشياء وأرواحا يحيي الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت من قبل ، ليس بها أثر الموت ، لكنها لا تدرك شيئا ، ولا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تعقل شيئا ، وبها آثار الحياة ؛ يدلنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها ،
هامش
( 1 ) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 5 / 617 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 30161 ) .