تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
لو لم يكن من عنده لخرج مختلفا متناقضا على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفا ومتناقضا ، والله أعلم . وقوله :
مَثانِيَ
قال أهل التأويل « 1 » : سماه : مثاني ؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة ، وأصله : أنه سماه : مثاني ؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع ، لما لو لم يكررها غفلوا عنها ، وسهوا عنها ؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحدا عظة وزجره وسها عنه [ كررها عليه ] ، وكرر - عزّ وجل - عليهم المواعظ والزواجر ؛ ليكونوا أبدا متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا . وقوله :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
قال أهل التأويل « 2 » :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
عند تلاوة آية الرهبة والخوف ، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة . وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعا يكون فيهما الموعظة : تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم ؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة ، بل آية الرهبة أحق بذلك . وقتادة يقول : كانت جلودهم تقشعر ، وعيونهم تبكي ، وقلوبهم تطمئن إليه ، ولا تذهب عقولهم ، ولا يغشى عليهم ، كما رأينا أهل البدع يفعلونه ، وإنما ذلك من الشيطان « 3 » . وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
قد بين سبيل الهدى والحق ، وحججه وبراهينه ، وبين سبيل الضلالة والباطل ، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك ، وبمعونته اهتدى ، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ . وقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
أخبر أنّ من أضله الله فلا هادي له ، وعلى ما قال في المعيشة والرزق ؛ قال - عزّ وجل - :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
[ فاطر : 2 ] وقال - عزّ وجل - في الضراء والخير ؛ حيث قال :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
[ يونس : 107 ] ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير ، ذلك أنّ لله في فعلهم وصنعهم تدبيرا ، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك ، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه ، ومن ضل وزاغ إنما ذلك بنفسه ، لا تدبير لله في ذلك ، فالآية
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 30121 ) وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم . ( 2 ) قاله ابن جريج أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ( 5 / 610 ) . ( 3 ) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 5 / 610 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 675 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم