تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
قيل « 1 » :
شَرَحَ اللَّهُ
: وسع الله . وقيل : رحب الله . وقيل : لبى الله ، ونحوه ؛ وكله واحد . ثم يحتمل قوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
فيسلم
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
، أي : يجعل الله في صدره النور ؛ أي : يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق ، والباطل أنه باطل ، وأنه تمويه ، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل ، فيأخذ الحق ويعمل به ، ويترك الباطل ويجتنبه ، والله أعلم . أو أن يكون قوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم ، وهو ما روي في الخبر أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سئل أنه : هل ينشرح الصدر للإسلام ؟ وكيف ينشرح ؟ فقال نبي الله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر ، وانفسح له » « 2 » ؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر ، وانفسح له بذلك النور ، والله أعلم . وجائز - أيضا - أن يكون قوله - عزّ وجل - :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
في الدنيا
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
في الآخرة ؛ كقوله - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ . .
الآية [ التحريم : 8 ] ، والذين كفروا طبع الله على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبدا ، والله أعلم . ومنهم من قال :
شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
: الإسلام نفسه إذا أسلم
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
كتاب الله ، قال : هذا المؤمن به يأخذ ، وإليه ينتهي ، وما سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم : هل لذلك - أي : لانشراح الصدر للإسلام - علامة ؟ فقال : « نعم ؛ التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل حلول الموت » « 3 » ، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل ، ولكن في الاعتقاد ؛ أي : يتجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود : يتزود من الدنيا للآخرة . ثم قوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
يحتمل أن يكون على الاستفهام ؛ على ما ذكر .
هامش
( 1 ) قاله السدي أخرجه ابن جرير ( 30113 ) . ( 2 ) أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود كما في الدر المنثور ( 5 / 609 ) ، وذكر له شواهد أخرى . ( 3 ) تقدم .