تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
يتخذوا آلهة وهو قريب [ من ] الأول ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
. يقول - والله أعلم - : فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه آلهة ، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه ، وقد تعلمون أنه هو المنعم عليكم هذه [ النعم ] وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو تعالى أداها إليكم . أو يقول : فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيرا في الآخرة بعد تسميتكم الأصنام : آلهة ، وعبادتكم إياها دون الله ، بعد علمكم : أنه هو خالقكم ، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم ، فما تظنون به أن يفعل بكم : أن يرحمكم ويسوق إليكم خيرا ؟ ! أي : لا تظنوا به ذلك ، ولكن ظنوا جزاء صنيعكم . وقوله - عزّ وجل - :
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
. أي : سأسقم ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقوله - عزّ وجل - :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] للحال ؛ فعلى ذلك قول إبراهيم - عليه السلام - :
إِنِّي سَقِيمٌ
أي : سأسقم . أو يقول :
إِنِّي سَقِيمٌ
وهو صادق ؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن قل ، فعلى ذلك قول إبراهيم ، عليه السلام . وقول من قال : إن إبراهيم - عليه السلام - كذب ثلاثا : أحدها : هذا
إِنِّي سَقِيمٌ
فذلك وحش من القول سمج « 1 » ، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه ، ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم ، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال :
إِنِّي سَقِيمٌ
ليخلفوه ويتركوه ؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت ، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم ؛ لأن قومه كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم ، فإن كان ذلك ، فهو - والله أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر في قوله :
هذا رَبِّي
[ الأنعام : 76 ] و
هذا أَكْبَرُ
[ الأنعام : 78 ] ونحوه ، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه ؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر ؛ إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا أظهر من نفسه الموافقة له [ كان ذلك أهون عليه .
هامش
( 1 ) قلت : بل صح الحديث في هذا المعنى وهو في الصحيحين ، أخرجه البخاري ( 7 / 36 ) كتاب أحاديث الأنبياء : باب قول الله تعالى :وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا( 3358 ) ، ومسلم ( 4 / 1840 ) ، كتاب الفضائل : باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه وسلم ( 154 / 2371 ) عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : قال : « لم يكذب إبراهيم النبي صلى اللّه عليه وسلم قط إلا ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله قوله : إني سقيم ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وواحدة في شأن سارة . . . » الحديث .