تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
الماهية ، فأجاب على الاستدلال بخلقه . ثم قال اللعين :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
: قال بعضهم : إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل ؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى من الرسالة حيث قال :
فَأْتِ بِهِ
الآية ، ولو قتله لكان لا يقدر على إتيانها . وقال بعضهم : لا ، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة . فقال له موسى :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
أي : ما يبين ربوبية الله وألوهيته أو ما يبين أني رسول الله ، فقال له فرعون :
فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
بالرسالة ، وبما ادّعيت ، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له :
فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
أنه قد عرف أنه رسول ، وأنه ليس بإله على ما ادعى ، وأن الإله غيره حيث طلب هذه الآية . وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
بالآيات التي تدل على وحدانية الله تعالى ومشيئته ، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع . والإيقان : هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال ؛ ولذلك لا يقال لله : موقن . وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
: صلة قوله :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
. وقوله :
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
: قال بعضهم : الثعبان : هو الكبيرة العظيمة من الحيات . وقال في موضع آخر :
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
، وقال في موضع آخر :
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
، فجائز أن تكون كالثعبان بعد ما طرحها وألقاها ، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة « 1 » ، والله أعلم . وقوله :
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
: بياضا خارجا عن خلقة البشرية ، وخارجا عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى :
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
[ النمل : 12 ] . وقوله :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
: هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى ؛ لئلا ينظروا إليه بعين التعظيم ؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم ، حيث قال :
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم ، ولكن ذلك إغراء منه لهم عليه ؛ لئلا يتبعوه ؛ كأنه يقول : يريد أن
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : ولا يتصور في حالة واحدة أن يكون الشيء الواحد على هذه الأحوال ، هذا إشكال ثم الانفصال عنه : قال بعضهم : إنما وصفها بهذه الأوصاف ، وسماها بهذه الأسامي ، لمثابة له ، فكلها في شيء خاص ؛ لأنه يكون لها عظم الثعبان ولدغة الحية ودقة الجان ، وإطلاق الاسم جائز باعتبار المشابهة في وصف يعرف به المسمى . والثاني : جائز أن تكون كالجان في يد موسى - عليه السلام - قبل أن يطرحها ، حتى يمكّن هو من أخذها ، وإذا طرحها وألقاها تصير كالثعبان ، والحية : اسم جنس لها يدخل تحته الصغيرة والكبيرة ، والله أعلم . شرح .