تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما سأله ؛ لأنه إنما سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوبيته ؛ فظن أنه حائد عن جواب ما سأله ؛ وكذلك قال لقومه :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
إلى ما يقول موسى ؛ تعجبا منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر . ثم قال موسى :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
، فقال عند ذلك :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
، نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن الجواب في كل ما ذكر ، إنما كان السؤال منه عن الماهية ، وهو لم يجبه عنها ، فعند ذلك قال موسى :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
، لم يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية ، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوبيته وألوهيته حيث قال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
ذلك ، فعرف اللعين أنه ليس هو رب السماوات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك ، وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى ، لكن كأنه لم يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى ؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما ، فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبدا ، فعند ذلك احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه ، فإذا عرف حدوث ما ذكر وفناءه يعرف أنه إذا لم يكن بنفسه ولا كان نفسه ، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر دبره . ثم قال :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
: ذكر هاهنا قدرته وسلطانه ، وهو ما يأتي بالنهار من المشرق ، وبالليل من المغرب ، ويطلع الشمس من المشرق ، ويغربها من المغرب ؛ وكذلك القمر والنجوم ، ففيه دلالة البعث ؛ لأن من قدر على أن يأتي بالنهار من كذا ، وبالليل من ناحية كذا ، والشمس والقمر من كذا - قادر على البعث ، لا يعجزه شيء ؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال على شيء ليس ذلك في الأخرى . وفي قوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
دلالة ربوبية الله وألوهيته . وفي قوله :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
دلالة حدوث ما ذكر وفنائه ، ودلالة محدث ومدبر . وفي قوله :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه الذي ذكرنا . وفي ذلك دلالة أن الله تعالى لا يعرف بالماهية ولا بما يحس ، ولكنه إنما يعرف من جهة الاستدلال بخلقه ، وبالآيات التي تدل على وحدانيته ، حيث سأل فرعون موسى عن
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 55 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم