تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
منه ، وقيل : هو الزيتون الذي يسرج منه . وتأويله : أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء ، والماء يطفئ النار ، والنار تأكل الحطب والخشب ، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث ، وأنه لا يعجزه شيء . وقال بعضهم : قوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر ، فإذا أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه ، ثم يصير حطبا يوقدون منه النار ويصطلون ، فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء ، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثا باطلا ، فلو كان على ما قاله أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور ، كان فعل ذلك عبثا باطلا ، والله أعلم . وقوله :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى
. يذكر - والله أعلم - أوليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم . أو يقول : إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق مثلهم ، وخلق المثل إعادة ؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد إماتتهم ، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم ، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة ؛ فيلزمهم الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة . ثم أخبر عن قدرته فقال :
بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
. أي : هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم . أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة ،
الْعَلِيمُ
يحتمل وجوها : يحتمل العليم ببعثهم ، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح . أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا . وقوله :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً
. يحتمل : إنما حاله إذا أراد شيئا
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، قد ذكرنا معنى هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبد الآبدين إنما يكون ب
كُنْ
الذي كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك ، إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته ، أو إخبار عن خفة ذلك عليه ؛ يقول - والله أعلم - : كما لا يثقل عليكم قول : « كن » ؛ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك . ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء وبطلانه ،