ويحتمل قوله :
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ
، أي : المشركون جند للآلهة التي يعبدونها ، أي : هم يقيضون لها ويقومون في دفع من همّ بها فسادا وإهلاكا - أعني : أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله :
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
[ الأنبياء : 68 ] .
ثم اختلف فيه : قال بعضهم : ذلك في الآخرة .
وقال بعضهم : ذلك في الدنيا ، والله أعلم .
وقوله :
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
.
كان من أولئك الكفرة لرسول الله أقوال مختلفة :
مرة كان منهم ما ذكر :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ . . .
الآية [ الأنفال : 30 ] .
ومرة قالوا : إنه ساحر ، وإنه كذاب ، وإنه شاعر .
ومرة قالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] .
ومرة قالوا :
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
[ الفرقان : 7 ] .
ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج ، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن عليه حتى قال له :
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
، أي : لا تحزن على قولهم ؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ؛ فنحفظ عليهم ذلك ونكافئهم على ذلك .
أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك .
أو أن يكون حزنه عليهم ؛ إشفاقا عليهم ؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم والهلاك لعنادهم ومكابرتهم ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 83 ]
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 )
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 )
وقوله :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ
.
هذا يخرج على الوجهين : إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي : فلير الإنسان ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته ؛ لأن إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه ؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا ، ولا تصوير ما لم يعاينوا ، احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ولا تأمل ، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء