تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
ويتكلم ، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم ؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفا ومعنى به يسمع السمع ، وبه يبصر البصر ، وبه تأخذ وتقبض اليد ، وبه تمشي وتذهب الرجل ، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره ؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها ، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفا ومعنى يصير ذلك غذاء لهم ؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء ؟ ! والله أعلم . وقوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
. قال بعض أهل التأويل « 1 » : لو نشاء لطمسنا أعين الضلال ، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق ، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم . وقال بعضهم : لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى ، فلو طمست : أي : حولت [ عن ] الكفر - لاستبقوا الصراط ، يقول : لأبصروا طريق الهدى ، ثم قال :
فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
يقول : فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة ؟ !
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ
. أي : لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون . ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل ؛ يقول - والله أعلم - : لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق
فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
، أي : لا يبصرون الطريق ؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها ، فأنى يبصرون الهدى ، أي : لا يبصرون .
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ
. يقول [ ذلك ] - والله أعلم - على التمثيل ، أي : لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة ، فما استطاعوا مضيّا ولا يرجعون ؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما [ لم ] ينتفعوا بظواهر جواهرهم ، على التمثيل لا على التحقيق . وفي قوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
،
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ
دلالة أن لله في ذلك صنعا ؛ إذ لو لم يكن [ له ] فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع ، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى ، فدل أن له صنعا في ذلك وفعلا . قال الحسن وقتادة في قوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
فتركناهم عميا يترددون
هامش
( 1 ) قاله الحسن أخرجه ابن جرير ( 29217 ) وهو قول قتادة ومجاهد .