تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
أحدهما : أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقا كثيرا بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك ؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه ؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم -
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
: أنه فعل ذلك بهم ، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر أولئك « 1 » . والثاني : قوله :
جِبِلًّا كَثِيراً
: قال بعضهم : جموعا كثيرة . وقال بعضهم : خلقا كثيرا . وقال بعضهم : أمما كثيرة ؛ وكله واحد ، وأصله من قولك : جبلهم على كذا ، أي : طبعهم ، ويقرأ :
جِبِلًّا
و
جِبِلًّا
برفع الجيم والتشديد وخفضها والتشديد . قال أبو عوسجة : الجبلة والجبلة : الخلق . وقوله :
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
. يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا : ما هذا الذي نراه ؟ ! فعند ذلك قيل لهم :
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
بها ،
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
، أي : ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها ، والله أعلم . وقوله :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ
. أي : نطبع على أفواههم ، فلا يتكلمون
وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
. كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا ؛ كقولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا ؛ كقوله :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ . . .
الآية [ النور : 24 ] ، وقوله :
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ . . .
الآية [ فصلت : 20 ] ، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله :
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصلت : 21 ] . وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان ، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق ، فحيثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت ، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان ، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان ، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : يحتمل أن يكون على التنبيه والإذكار لهم ، لما عسى ألا يبلغهم ذلك ؛ لأنهم ليسوا من أهل الكتاب ، شرح .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 533 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم