تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
يحتمل على حقيقة الصيحة ، يجعل الله تعالى الصيحة علما للإحياء والبعث لا أن تكون الصيحة سببا للإحياء والبعث . ويحتمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة ؛ كأنه يقول - والله أعلم - : ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي : البعث - لكنه ذكر الصيحة ؛ لأن الصيحة أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور ؛ كقوله :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
[ النحل : 77 ] ذكر هذا ؛ لأنه أخف شيء على الخلق ، وأهونه عليهم ؛ فيعبر به عنه ويكنى بما ذكر ، ليعلموا خفة ذلك على الله ، وسهولته وهوانه ، وأنه ليس يثقل عليه شيء . وقوله :
فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
. ذكر أن قوله - تعالى - :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
في البعث ، فإذا كان ذلك في البعث فعند ذلك إحضارهم عند الله ، وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت . وقوله :
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
. الظلم في اللغة : هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - والله أعلم - : اليوم لا توضع نفس في غير موضعها ، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا . أو يكون الظلم عبارة عن النقصان ، كأنه يقول - والله أعلم - : فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى ؛ كقوله :
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
[ الكهف : 33 ] أي : لم تنقص منه . أو يقول : فاليوم لا يحمل على نفس ذنب غيرها ، ولا يوضع وزر غيرها ، بل يجزي [ الله ] كل نفس جزاء عملها ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
. يخبر - والله أعلم - : عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في النعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء ، وكذلك جميع الخلائق أنهم إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا ، فأما الله - سبحانه - فيتعالى عن أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء . ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي ، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما لا يضرهم ولا يؤذي ؛ حيث قال :
فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
، قيل « 1 » : ناعمون بما هم فيه ، وقيل : معجبون في ذلك .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير البغوي ( 4 / 16 ) .