استطاعة الفعل تكون مع الفعل لا تتقدم الفعل ؛ لأنها لو كانت تتقدم ، لكانوا يستطيعون التوصية والرجوع إلى أهلهم إذا قامت بهم ؛ دل هذا على أنها لا تتقدم الفعل ، لكنها تقارنه وتجامعه ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 51 إلى 58 ]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 )
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 )
وقوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
.
قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع ، واختلافهم في ذلك :
قال قائلون : الصور : هو شبه القرن ينفخ فيه ، وعلى ذلك روي عن عبد الله بن عمرو قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الصور فقال : « قرن ينفخ فيه » « 1 » ، فإن ثبت فقد كفينا مئونة الاشتغال بغيره .
وقال قائلون : هو على التمثيل لا على التحقيق ، لكنه ذكر النفخ ؛ لسرعة أمرها وقيامها ؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا ولا أخف من النفخ ، فهو عبارة عن سرعتها ونفاذها ؛ كقوله :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ النحل : 77 ] ، وهو قوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
.
قال أهل التأويل : ينفخ في الصور ثلاثا بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة ، يقولون : في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق الله ؛ كقوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[ الزمر : 68 ] ، ثم ينفخ ثانيا فيحيون بها ويخرجون من قبورهم ، وهو قوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
، وينفخ ثالثا ، فيجتمعون عند ربهم ، وهو قوله :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
، والله أعلم بذلك .
والنسل : هو سرعة الخروج ، أي : يسرعون ، قال أبو عوسجة : النسل : هو المشي
يَنْسِلُونَ
أي : يمشون ، لكنه مشي مع سرعة ، وهما واحد .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 4 / 226 ) أبواب صفة القيامة والرقاق والورع : باب ما جاء في شأن الصور ( 2430 ) ، وأبو داود ( 2 / 649 ) ، كتاب السنة : باب في ذكر البعث والصور ( 4742 ) ، وأحمد ( 162 ، 192 ) ، وابن حبان ( 7312 ) ، والحاكم ( 2 / 436 ) .