تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم [ بها ] ؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج ؛ فدل أنه فعل واحد ؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا ، وأنه عالم بذاته مدبر ؛ ولذلك قال :
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
أي : ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء ، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء ؛ وبالله القوة . ثم قوله :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
. وفي بعض الحروف : والشمس تجري لا مستقر لها فعلى هذا القول أي : تجري أبدا لا مستقر لها ولا قرار . ومن قرأ :
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
: أي : لنهاية لها وغاية . ثم اختلف في تلك النهاية : فمنهم من يقول : نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر ؛ كقوله :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[ التكوير : 1 ] ، وقوله :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
[ الرحمن : 5 ] قدر نهايتها ، ومنهم من يقول : مستقرها : هو نزولها في كل يوم في منزل ، لما ذكر أن لها منزلا ، تنزل كل يوم في منزل ، ثم تطلع من مكان آخر ؛ وكذلك قال :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
. ومنهم من يقول : نهايتها ما ذكر في الخبر : « أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة ، تخرّ لله - تعالى - ساجدة تحت العرش ، ثم يؤذن لها بالطلوع » « 1 » ؛ ذكر في الخبر عن نبي الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس ، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء ، وما بين ذلك في الخريف والربيع ، فتلبس تلك الحلة ، كما يلبس أحدكم ثوبه » ، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله ، إلا أنه ذكر فيه : « أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش » ، وفي بعض الأخبار : « بكف من ضوء العرش ، وبكفّ من نوره » ، فيلبس تلك الحلة - أي : ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه ، فذلك قوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس : 5 ] ذكر للشمس ضياء ، وللقمر نورا كما ذكر في الخبر .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 439 ) كتاب بدء الخلق : باب صفة الشمس والقمر ( 2199 ) ، ومسلم ( 1 / 138 ) كتاب الإيمان : باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ( 250 / 159 ) ، والترمذي ( 4 / 2186 ) ، أبواب الفتن : باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها ( 2186 ) ، وأبو داود ( 2 / 433 ) كتاب الحروف والقراءات ( 4002 ) عن أبي ذر ، قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس : « أتدري أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد ، فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيقال لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى :وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها . . .الآية » .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 519 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم