تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
أو أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر : وهو أنه لما أنشأهم وعلم ما يصلح لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم ما يكون لهم من غذاء ، وما لا يكون قبل أن ينشئهم ؛ دل أنه عالم بذاته قادر لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء . أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى ، لا يمتحنهم بشيء ولا يأمرهم بشيء ولا ينهى عن شيء ، فإن ثبت المحنة ثبت البعث وظهر الثواب والعقاب . وفي قوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا . . .
إلى آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها - آية الوحدانية له والألوهية ، ودلالة الجود والكرم له ؛ ليرغبوا فيه ويطمعوا منه ، ودلالة العدل له والسلطان ليهابوه ، ودلالة البعث ؛ لما ذكرنا ، ودلالة أن هذه النعم منه ؛ ليشكروه حيث قال في آخره :
أَ فَلا يَشْكُرُونَ
، والله أعلم . وقوله :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
. من الناس من يقول : إن الأزواج هي التي لها مقابل من الأشكال والأضداد مما للخلق فيه فعل ومما لا صنع لهم فيه ، حيث قال :
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
، ويستدل بذلك على خلق أفعال العباد ، وهو ما قال :
خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
، ومن الأزواج ما يكون فعلا لهم ، وقد أخبر أنه خلقها كلها دل أنه خالق أفعالهم ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 37 إلى 40 ]

وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) وقوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
. في ذلك آيات من وجوه : أحدها : آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت . والثاني : آية الوحدانية له والألوهية . والثالث : آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي . أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهارا ، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء ، ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا وإدخاله
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 516 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم