وقوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
.
يحتمل الأمر لرسوله بضرب مثل أصحاب القرية لقومه وجهين :
أحدهما : أن الخبر قد كان بلغ هؤلاء ، أعني : خبر أصحاب القرية التي بعث إليهم الرسل ، وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل وسوء معاملتهم إياهم ، إلا أنهم قد نسوا ذلك وغفلوا عنه ، فأمرهم بالتذكير لهم والتبيين ؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم وسوء معاملتهم رسولهم .
والثاني : يحتمل أن لم يكن بلغهم خبر أولئك وما نزل بهم بسوء معاملتهم الرسول ، فأمره أن يعلم قومه ذلك ويبين لهم ، فيسألون عن ذلك أهل الكتاب ، فيخبرونهم بما كان في كتبهم ؛ فيعرفون صدق رسول الله فيما يخبرهم ، فيكونون على حذر عن مثل صنيعهم ومعاملتهم الرسل ؛ وعلى ذلك تخرج هذه الأنباء والقصص المذكورة في الكتاب على هذين الوجهين ، والله أعلم .
وقوله :
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
.
أي : قوينا بثالث ، اختلف فيه :
قال بعضهم « 1 » : إن عيسى بن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا فأتاهم ، فدعاهم إلى التوحيد ، وأقام على ذلك حججا وبراهين ، فكذبوه وقالوا : ما نعرف ما تقول ، ثم بعث من بعده رسولين فقال لهما ذلك الرسول : إنهم سيكذبونكما كما كذبوني قبلكما وسيقولون لكما إذا دعوتماهم إلى التوحيد : ما ذا تحسنان ؟ فإذا قلتما : نبرئ الأكمه والأبرص ، قالوا : فينا من يحسن ذلك ، فإن قلتما : نشفي المريض ، قالوا : فينا من يحسن ذلك ونحوه ، ولكن قولا أنتما : نحيي الموتى ، وأنا أقول لهم : إني لا أحسن أنا ؛ فهو قوله :
فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
أي : قوّينا وشددنا بثالث ، ففعلوا ذلك فقالوا عند ذلك : قد تواشيتم علينا بهذا الكلام ، أو تواطأتم ، أو كلام نحوه ، فأخذوا وعذبوا وأهلكوا ؛ وهو قول ابن عباس « 2 » ، رضي الله عنه .
ومنهم من يقول : بعث أوّلا رسولان فكذبوهما ، فبعث ثالث بعد ذلك
فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
، أي : عززنا الرسولين بثالث ، أي : قويناهما .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير البغوي ( 4 / 7 ، 8 ) .
( 2 ) أخرجه ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه كما في الدر المنثور ( 5 / 490 ) .