تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
قال ابن عباس - رضي الله عنه - :
فَهُوَ يُخْلِفُهُ
: في الدنيا والآخرة ؛ لأن ما أنفق العبد لو كان الله أخلفه له في الدنيا ما أحصى أحدكم ماله ، ولا يجد مكانا يجعله فيه ، أو كلام هذا معناه . وقال آخر : كل نفقة كانت في طاعة الله فإن الله يخلفها في الدنيا ، أو يدّخرها لوليّه في الآخرة . ومجاهد يقول : إذا أصاب أحدكم مالا ، فليقصد في النفقة « 1 » ، ولا يتأولنّ قوله :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
؛ فإن الرزق مقسوم . وقال بعضهم « 2 » :
فَهُوَ يُخْلِفُهُ
إذا كانت في غير إسراف ولا تقتير . وهذه التأويلات كلها ضعيفة ؛ لأن الآية كانت - والله أعلم - في منع أولئك الإنفاق ؛ مخافة الفقر وخشية الإملاق ؛ لأنها نزلت على أثر قول الرجل :
إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ
، يقول - والله أعلم - تعلمون أن الله هو الباسط لكم والموسع عليكم وعلى الخلق كله الرزق ، وهو المقتر أيضا على من شاء التقتير عليه ، فإذا كنتم تعلمون أنه هو الفاعل لذلك ؛ فكيف تمتنعون عن الإنفاق خشية الفقر ؟ ! فهو القادر على البسط والخلف لما أنفقتم ، وهو القادر على التقتير من غير إنفاق كان منكم . أو أن يذكر هذا ؛ ليقطعوا أطماعهم عن الخلق من الناس والبذل لهم ، على ما ينفق الرجل من النفقة ؛ فيطمع من الناس البرّ له والمكافأة لما أنفق ؛ فيقول : اقطعوا الطمع من الناس فيما تنفقون ؛ فإن الله هو المخلف لذلك لا الناس . ويحتمل ما قال ابن عباس : إنه يخلف في الآخرة ؛ إذ لو أعطى لكل رجل أنفق في الدنيا خلفا - ما أحصى أحدكم ماله ، ولا أين يجعله ؟ [ يكون ] هذا هكذا إذا كان الخلف من نوع ما أنفق وأعطى ، فأمّا إذا جاز أن يكون الخلف من نوع ما أنفق ، ومن غير نوعه : من نحو ما يدفع عن المرء وعن المتصلين له من أنواع البلايا والشدائد ، ويعطيه من أنواع النعم من السلامة له في نفسه ودينه والصحة وغير ذلك مما لا يحصى ، فذلك كله بدل وخلف عما أنفق ، وذلك أنه إذا علم في سابق علمه أنه ينفق جعل ذلك في الأصل خلفا عما أنفق ؛ وعلى ذلك يخرج ما روي : « أن صلة الرحم تزيد في العمر » « 3 » : إذا علم أنه
هامش
( 1 ) أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 448 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه سعيد بن منصور ، والبخاري في الأدب المفرد ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 448 ) وهو قول الحسن وسعيد بن جبير . ( 3 ) طرف من حديث عن أبي أمامة : أخرجه الطبراني في الكبير ، كما في مجمع الزوائد ( 3 / 118 ) ، وقال الهيثمي : إسناده حسن ، وفي الباب عن أم سلمة وأبي سعيد الخدري ، وصححه العلامة الألباني بمجموع طرقه كما في الصحيحة ( 1908 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 455 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم