تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
قولهم :
نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً . . .
الآية ، ويبين أن التقتير والتوسيع ليس لفضل ولا لقدر ولا لنعمة ولا لخيانة ولا لذنب ؛ ولكن للامتحان ، والله أعلم . وقوله :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى
. ولكن ما ذكر ؛ حيث قال :
إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
. أي : ذلك الذي يقرب عندنا زلفى من أتى به ، سواء كان له مال وولد أو لم يكن .
فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا
. من الناس من احتج بتفضيل الغناء على الفقر بهذه الآية ، يقول : أخبر أن لهم جزاء الضعف إذا آمنوا وعملوا الصالحات بالأموال التي أعطاهم ، وأما الفقير فليس له ذلك ؛ إذ ليس له عنده ما يضاعف له ، أو كلام يشبه هذا . وأما عندنا : أن قوله :
فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا
لهم جزاء الضعف للصالحات والحسنات التي عملوها ؛ لأن الله وعد أن يجزي لكل من عمل بحسنة أو صالحة - عشر أمثالها ، وذلك جزاء الضعف له ، وذلك للغني والفقير جميعا . وذكرنا في غير موضع أن التكلم في فضل الغناء على الفقر والفقر على الغناء كلام لا معنى له ؛ لأنهما شيئان لا صنع لأحد في ذلك يمتحنان في تلك الأحوال : أحدهما بالشكر ، والآخر بالصبر ؛ فمن وفي بما امتحن هو في تلك الحال ، فهو أفضل ممن لم يف بذلك ، وبه يستوجب الفضل إن استوجب ، فأمّا بنفس تلك الحال فلا ، لكن من يفضل الغناء على الفقر يذهب إلى أن الله - تعالى - سمى الضيق : بلاء وشرّا في غير موضع من القرآن ، وسمى السعة : خيرا ونعمة وحسنة في غير موضع ، ولا شك أن الخير والحسنة أفضل وأحمد من الشرّ والسيئة ؛ فلو لم يكن هذا شرّا وسيئة في الحقيقة - لم يسمه بذلك ، و [ لو لم يكن ] هذا خيرا - لم يسمه . ومن يقول بتفضيل الفقر يذهب إلى أن الغني إذا أعطى وبذل إنما استوجب ذلك الفضل ؛ لما يفقر نفسه ويحوج ، وأصله ما ذكرنا . وقوله :
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
. من صاحبه النعمة ، ويحزنه « 1 » ، والله أعلم . وقوله :
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
. أي : يسعون في آياتنا سعي من يكون معاجزا ، لا سعي من لا يكون ، وهو ما قال :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
[ العنكبوت : 4 ] ، أي : يعملون عمل من يحسب أنه يسبق ، لا عمل من لا يسبق ، وهو كقوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
[ البقرة : 9 ] لا أحد يقصد قصد
هامش
( 1 ) كذا في أ .