وقوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
قال جعفر بن حرب المعتزلي : دلت هذه الآية على أن الكفر مما لم يقضه الله ؛ لأنه لو كان مما قضاه الله لكان لا يكون لهم الخيرة والتخيير ، فإذا قال : إنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ، دل أنه مما لم يقضه الله ، لكن يقول : إن القضاء - هاهنا - ليس هو قضاء الخلق ؛ على ما فهم هو ، ولكن القضاء - هاهنا - الأمر أو الحكم ؛ كقوله :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] أي : أمر ربّك وأوجب ألا تعبدوا إلا إياه .
أو أن يكون الحكم ؛ كقوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
[ النساء : 65 ] أي : مما حكمت ؛ فإذا كان القضاء يحتمل الأمر والحكم ؛ على ما ذكرنا ، فيكون كأنه قال :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
، أي : إذا أمر الله ورسوله أمرا ، وإذا حكم الله ورسوله أمرا أن يكون له الخيرة من أمرهم ، وهكذا يكون فيما أمر الله ورسوله بأمر أو حكم يحكم ألا يكون لأحد التخيير في ذلك .
ومما يدل - أيضا - على أن القضاء أيضا - هاهنا - ليس هو القضاء الذي فهم المعتزلة ؛ حيث أضاف ذلك إلى رسوله - أيضا - حيث قال :
إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
، ولا شك أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان لا يملك القضاء الذي هو قضاء خلق ؛ دل أن المعتزلة أخطأت وغلطت في فهم ذلك ، وقصرت عقولهم عن درك ذلك ، وأن التأويل ما ذكرنا نحن .
ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
إنما نزل في زينب بنت جحش ؛ يذكرون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه ، وكان مولى له ، فخطب له زينب بنت جحش ، فقالت زينب : إني لا أرضاه لنفسي وأنا من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب - فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قد رضيته لك ، فزوجي نفسك منه » فأبت ذلك ؛ فنزل قوله فيها :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 1 » ، لكن إذا كان على ما يذكرون من الخطبة لها ؛ فلا يحتمل أن يجبرها على
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 28513 ، 28516 ) عن ابن عباس .