تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وقوله :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
: قوله :
تَبارَكَ
قد ذكرنا أن بعضهم يقولون : هو من البركة . وقال بعضهم : من التعالي .
جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
: هو ما ذكرنا أنه خرج جوابا لقولهم :
وَمَا الرَّحْمنُ
؛ وكذلك قوله :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
أي : جعل أحدهما خلف الآخر ، إذا ذهب هذا جاء هذا .
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
أي : يذكر الليل والنهار لمن أراد أن يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه ؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه ، حيث يقهران الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا ، أو كرهوا لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم . وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك ؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر بعد أن لم يبق من أثره شيء ، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره . ويذكران أيضا نعمه وآلاءه ؛ لأنه جعل النهار متقلبا لمعاشهم ومطلبا لرزقهم ، وما به قوام أنفسهم ، وجعل الليل مستراحا لأبدانهم وسكونهم لا قوام للأبدان بأحد دون الآخر ؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما ؛ حيث قال :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
الآية [ القصص : 71 ] ، وقال :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ
الآية [ القصص : 72 ] ، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل والنهار ؛ ليتأدى بذلك شكره ؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله :
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
النعمة التي جعل لهم . قال بعضهم : قوله :
خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر ، أي : ما فات في أحدهما من التذكر والتشكر يقضى في الآخر . وقال الحسن قريبا مما ذكرنا ، وقال : من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار ، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل . وعلى مثل ذلك روي عن عمر : أن رجلا قال له : يا أمير المؤمنين ، إني لم أدرك الصلاة الليلة ، فقال عمر : « أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك ، وما فاتك من نهارك في ليلك » ، ثم قرأ :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
. وقال بعضهم
خِلْفَةً
من الاختلاف ، أي : يخالف أحدهما الآخر . ثم يحتمل الاختلاف وجهين :