تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
الذي باليمامة هو يعلمك ، فقال النبي : « الرحمن هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك » ، فقالوا : أيزعم أن الله واحد وهو يقول : الله يعلمني ، الرحمن يعلمني ، ألستم تعلمون أن هذين إلهان ، أو كلام نحو هذا « 1 » . وجائز أن يكون قولهم :
وَمَا الرَّحْمنُ
لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا الله فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك ، فعرفهم بقوله :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ . . .
الآية [ الإسراء : 110 ] . أو أن يكونوا يعرفون كل معبود : إلها ؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها : آلهة ، وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم دعاهم إلى عبادة الرحمن ؛ فظنوا أنه غيره ، فقالوا : فلئن جاز أن يعبد غير الله ، فنحن نعبد الأصنام فلم تمنعنا عن ذلك ؟ ! فأخبر : [ أن ] الرحمن والإله واحد ليس هو غير ؛ حيث قال :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً . . .
إلى آخر ما ذكر ، يقول الله : محال أن يكون الرحمن غير الإله ، بل الرحمن هو الذي جعل في السماء بروجا ، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم ، وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو الله ، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا غير . وفي قول بعضهم : إن قوله :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . . .
الآية من المكتوم ، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم ، ولكنه مما يعلم ويفسر ؛ حيث قال :
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيرا ، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألّا يخبره ؛ دل ذلك أنه ليس من المكتوم ، ولكنه مما يعلم ، لكن لا يعلمه إلا الخبير ، وهو العالم . ثم يحتمل : الله أو جبريل أو من يعلمه ، والله أعلم . وقوله :
فَسْئَلْ بِهِ
: قال بعضهم : بالله . وقال بعضهم : بالذي سبق ذكره « 2 » من قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
. وقوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ
قد ذكرناه .
أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا
بالياء والتاء جميعا . وقوله تعالى :
وَزادَهُمْ نُفُوراً
أي : زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن رسول الله . وقال بعضهم : في قوله :
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
يقول : ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك لا شك فيه ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) قاله عطاء بنحوه ، أخرجه ابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 138 ) . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 14 / 557 ، 558 ) .