تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وفيه وجوه من الدلالة : أحدها : إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل ، حيث قال :
فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن ، وكن منهيات عن ذلك ، لكان رسول الله لا يفارقهن ؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر ، وقد كان يملك حبسهن في ملكه ؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي ؛ دل ذلك - والله أعلم - أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل . وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما يستمتع بها ؛ إذ لو كان عنده ذلك ، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك ، ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك ؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر ، ويبطل قول من يقول : إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك . وفيه دلالة : أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه ؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره لم يكن لقوله :
فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
معنى ؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره ، وعندهن ما ذكر من الدنيا ، يحملهن ذلك على الفجور ؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن ، وإنما لم يحللن لغيره إذا مات ؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حيّ في حق أزواجه . ويخرج قوله :
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
: في الآخرة لا تحل لغيره ؛ فتكون زوجته في الجنة . ثمّ اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - فيمن خير امرأته فاختارت : قال بعضهم : إذا خيرها فهو تطليقة رجعية ، وإذا اختارت فهي بائنة ، وهو قول عليّ . وقال بعضهم : إذا اختارت نفسها فهي ثلاث ، وإذا اختارت زوجها فلا شيء . وقال بعضهم : إذا اختارت زوجها ، فهي تطليقة رجعية ، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة . وعندنا : أن التخيير نفسه لا يكون طلاقا ، فإن اختارت زوجها ، لا شيء ، وإذا اختارت نفسها ؛ فهي بائن . أما قولنا : إذا اختارت زوجها لا شيء ؛ لما روي عن عائشة قالت : « خيرنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاخترناه » « 1 » فلم يعد ذلك طلاقا .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 10 / 461 ) ، كتاب الطلاق : باب من خير أزواجه ( 5262 ) ، ( 5263 ) .