تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقال بعضهم « 1 » : إن أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كانوا يتذاكرون - وهم بمكة - فتح مكة لهم ؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم وسخروا ويقولون لهم : متى فتحكم الذي تزعمون ؟ فنزل :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ
يا أصحاب محمد ،
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنها تفتح عليكم . لكن هذا بعيد ؛ لأنه يقول على أثره :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
، ولو كان فتح مكة ، لكان ينفعهم إيمانهم ، ولهم نظرة وإنظار ؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة ، والأول أشبه أن يكون ؛ لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار ، وفي الدنيا يقبل ذلك كله ؛ فظهر أن الأول أشبه : كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة ، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر : أنه لما فتح مكة أقام النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ذلك اليوم وانهزم المشركون ؛ فخرجوا من مكة ، وأقام من أقام بها ؛ فأمنه النبي صلى اللّه عليه وسلم فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو قتادة الأنصاري ، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم ، فوجدوا الذين كانوا يهزءون بأصحاب محمد ، ويقولون : متى فتحكم هذا ؟ فوق جبل قد تحصنوا فيه ، فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا : هذا خالد بن الوليد وإحنته ، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة ، فقال لهم خالد بن الوليد : ما لكم ؟ قالوا : قد أسلمنا ، قال : إن كنتم قد أسلمتم فانزلوا ، فنظر بعضهم إلى بعض ، فقال رجل منهم : أطيعوني ولا تنزلوا إليه ؛ فوالله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم ، إنه لخالد بن الوليد وإحنته ، قالوا : والله ما علينا سبيل ؛ لقد أسلمنا ، ثم نزلوا ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح ، واعتزل أبو قتادة ، فقال : معاذ الله أن أعين على شيء مما هاهنا ، فبلغ ذلك النبي ؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر ، فوداهم إليه بالدية حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم ، ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كل شيء لهم ، فذلك قوله :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
.
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
يا محمد إلى مدة لهم ،
وَانْتَظِرْ
، بهم العذاب ، أي : القتل وهلاكهم
إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
هلاككم . وقال بعضهم :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
: إلى ذلك اليوم ،
وَانْتَظِرْ
: بهم فتح مكة ،
إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
: هلاكك . أو أن يكون قوله :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
، أي : لا تكافئهم لأذاهم إياك ،
وَانْتَظِرْ
: مكافأتنا إياهم ،
إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
: ذلك ، والله أعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) قاله الطيبي كما في تفسير البغوي ( 3 / 504 ) .