تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ثم جائز أن يكون ذكر هذا ونزل ؛ لقول كان من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين : إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا في الآخرة عند الله - سواء ؛ فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء ؛ فبيّن منزلة المؤمن عند الله وقدره ، وما ذكر من الثواب له والكرامة ، ومنزلة الفاسق ما ذكر من الخلود في النار أبدا ، كقوله :
ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ
[ العنكبوت : 1 ، 2 ] ، وكقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ . . .
الآية [ الجاثية : 21 ] . أو يذكر ذلك على الابتداء : إنكم تعرفون في عقولكم أن ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره وكالمكذب له ، فكيف تطمعون الاستواء عند الله وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله ، وأولئك هم الصادقون له ؟ ! والله أعلم بذلك . ثم الخوارج والمعتزلة يقولون : لو كان الفاسق مؤمنا على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنى ؛ فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنا ؛ حيث ذكر أنهما لا يستويان وأن المؤمن مأواه في الجنة والخلود له فيها ، والفاسق مقامه في النار ، خالدين فيها على ما ذكر ، فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان ، أو كلام نحو هذا . فيقال لهم : إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن ، وأنه لا يستوي [ هو و ] المؤمن ؛ لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان ، دليله آخر الآية ؛ حيث قال :
ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
ذكر التكذيب ، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق ، وكل فسق كان مذكورا مقابل الإيمان فهو كفر وتكذيب ؛ فهو لا يكون مؤمنا ، ولكن هاتوا فاسقا ذكر لا مقابل الإيمان ، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوي ، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا ؛ ألا يرى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر ، كقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ
[ غافر : 58 ] ؟ ! فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر لا يقع فيه استواء بحال ، وأما الفسق المذكور لا مقابل الإيمان فجائز أن يقع فيهما استواء ، وهو أن يغفر له ذنبه ويكفر عنه سيئته ، ويدخل الجنة ؛ حيث قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] ، وقال في آية أخرى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً . . .
[ النساء : 31 ] ، وقال في آية أخرى :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
الآية [ الأحقاف : 16 ] . هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه ، وأصحاب الحديث يقولون : إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية ؛ لأنه قال :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً
، ثم فسر