تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
ما ذكرنا . ويحتمل قوله :
وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
، أي : نسقيه من الماء الطّهور والمنزل من السماء كثيرا من الأنعام ، وكثيرا من الإناس ، وكثيرا ما يسقى من المياه المنتزعة من الأرض « 1 » . قوله تعالى :

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 50 إلى 52 ]

وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وقوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا
، أي : صرفنا المطر والسحاب بينهم يمطر في مكان ، ويسوق السحاب إلى مكان ولا يسوق إلى مكان آخر ؛ كقوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . .
الآية [ البقرة : 146 ] ؛ وكقوله :
فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
الآية [ فاطر : 9 ] . يذكرهم في هذه الآيات من قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
إلى قوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ
ليذكروا تدبيره وقدرته وحكمته ونعمه ؛ أما تدبيره : حيث ترى السحاب في موضع ولا تراه في موضع ، وتراه منبسطا في الآفاق ثم يمطر في موضع آخر ، ولا يرسل في مكان ويرسل في مكان آخر ؛ ليعلم أنه عن تدبير كان هكذا لا بالطبع ؛ لأنه لو كان بالطبع كان ذلك لكان لا جائز أن يمطر في مكان ويترك في مكان آخر ، دل أنه بالتدبير كان ما كان وبالأمر . وأما قدرته : فما ذكر من إحياء الأرض الميتة بعد موتها ، وإماتتها بعد حياتها مما يعلم كل أحد حياتها وموتها ، ويقر بذلك ، فمن قدر على هذا قادر على إحياء الموتى بعد الموت ، ولا يعجزه شيء . وأما حكمته : أن ما خلق مما ذكر وأنشأه لم ينشئه عبثا ، يمهلهم لا يأمرهم ولا ينهاهم ، ولا يمتحنهم بشيء ، ولا يجعل لهم عاقبة يثابون ويعاقبون ، ولا يستأدي بهم شكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم مما يعجز عقولهم عن إدراكه ، ويقصر أفهامهم عن تقدير مثله ؛ ليعلم أنه قادر بذاته لا يعجزه شيء . ثم قال :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
قال الكسائي : الكفور برفع الكاف : الكفر ، والكفور - بفتح الكاف - : الكافر ، والشّكور - بضم الشين - : الشكر ، والشّكور - بفتح الشين - : الشاكر وهو المؤمن ؛ فيكون تأويله : فأبى أكثر الناس إلا كفرا بالله وتكذيبا لنعمه ؛ بصرفهم العبادة إلى غيره ولتفاؤلهم وتطيرهم أن هذا من نوء كذا ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 546 ) .