تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
عبادة من لم يقم له الآيات والحجج بذلك بهواهم . والثاني : أنهم عبدوا ما عبدوا من الأصنام بلا أمر كان لهم بالعبادة ؛ لا بدّ من أمر يؤتمر بها ، بل عبدوا بهواهم ، أو كلام نحو هذا . وقوله :
أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
أي : لست أنت بوكيل ولا مسلط عليهم ولا حافظ ، أي : لا تسأل أنت عن أعمالهم ولا تحاسب عليها ، بل هم المسؤولون عنها ، وهم محاسبون عليها ؛ كقوله :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 52 ] ؛ وكقوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ . . .
الآية [ النور : 54 ] ، والله أعلم . وقوله :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
: قوله :
أَمْ تَحْسَبُ
وإن كان في الظاهر استفهاما ، فهو في الحقيقة على الإيجاب ، وهكذا كل استفهام من الله يخرج على الإيجاب أو على النهي ؛ كأنه قال : قد حسبت أكثرهم يسمعون أو يعقلون ، أي : لا ينتفعون بما يعقلون .
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
: قال بعضهم : كالأنعام لأن همتهم ليست إلا كهمة الأنعام ، وهو الأكل والشرب ، ليست لهم همة سواه ، ليس للأنعام همة العاقبة ، فعلى ذلك الكفرة فهم كالأنعام من هذه الجهة . وقوله :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
: قال قائلون : قوله :
أَضَلُّ
لأن الأنعام تعرف ربها وخالقها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه . أو هم أضل لأنهم ينسبون إلى الله ما لا يليق به من الولد والشريك ، ويشركون غيره في العبادة والأنعام لا ، فهم أضل . وقال بعضهم : هم أضل ؛ لأن الأنعام إذا هديت الطريق اهتدت ، وهم يهدون ويدعون إلى الطريق فلا يهتدون ولا يجيبون فهم أضل . أو أن يقال : هم أضل لأنهم يضلون ويضلون غيرهم ويمنعونهم عن الهدى ، والأنعام لا ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 49 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وقوله :
أَ لَمْ تَرَ
: قد ذكرنا في غير موضع أن حرف
أَ لَمْ تَرَ
هو حرف تعجب واستفهام ، لكن في الحقيقة على الإيجاب ، أي : قد رأيت .