تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وقوله :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
: هذا يحتمل وجهين : أحدهما : لو شئنا لرفعنا عنك ، يعني : ما حملنا عليك من المؤن من مئونة التبليغ والقيام بذلك ، وحملنا غيرك ؛ فيكون عليك أيسر وأهون من القيام بالكل . والثاني : لو شئنا لجعلنا غيرك - أيضا - أهلا للرسالة وموضعا لها في زمانك وحينك ، فبعثناه في بعض القرى والمدن ، لكنا لم نجعل غيرك أهلا لها ، وخصصناك لها من بين غيرك من الناس ؛ فهو على الامتنان يخرج والاختصاص له . ثم لا يخلو ذلك من أن يكون فيهم من يصلح للرسالة ، ويصلح أن يكون أهلا لها وموضعا ، فلم يرسل ، أو كان لم يكن فيهم من يصلح لذلك ؛ فيكون تأويله : لو شئنا لجعلنا فيه من يصلح للرسالة ، ويصلح أن يكون أهلا لها وموضعا ، فأي الوجهين كان ، فهو ينقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنه إن كان فيهم من يصلح لها وأرسل كان أصلح له فلم يرسل ، فقد ترك ما هو أصلح له وأخير ، أو أن يكون لا يصلح فيهم أحد لذلك ، لكنه يملك أن يصلحه ويجعله أهلا لها ، فهو أصلح له وأخير ثم لم يفعل ؛ دل أن له ألا يفعل الأصلح والأخير في الدين . وقوله :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
: فيه وجهان : أحدهما : أنه لا يجوز للرسل النبذ والامتناع عن التبليغ إليهم والقيام بمجاهدتهم ، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ؛ حيث قال :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
، ولم يكن معهم يومئذ إلا قليل ممن اتبعه ؛ إذ كان ذلك بمكة ؛ لأن سورة الفرقان فيها نزلت . والثاني : فيه دلالة إثبات رسالته ؛ لأنه أمر بالخلاف لهم ، والقيام بمجاهدتهم بالحجج والآيات ، وهم يعلمون ألا يكون في وسع واحد القيام لذلك لأمثالهم ، وكانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ؛ فعلموا أنه إنما قام لذلك بالله لا بنفسه ؛ إذ لا يملك واحد القيام لذلك ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 53 إلى 62 ]

وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 )