إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك ، ما لولا ذلك لكان عبثا باطلا ، على ما ذكر ، والله أعلم .
وقوله :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
.
أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة ، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان ، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان ؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما ، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال ؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة ، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران ، وكذلك ذكر في الخبر : « أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق » . وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف : فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق ؛ حيث قال :
وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً
.
وقوله :
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
.
قال بعضهم : اتبع دين من أقبل إلى ورجع إلى طاعتي وهو النبي .
أو أن يكون قوله :
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
، أي : اتبع سبيلي وديني ؛ كقوله :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
[ الأنعام : 153 ] ، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله :
اتبع سبيلي وديني ، ولا تتبع غيري ، [ واتبع ] سبيل من أناب ورجع إلي ، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي .
ثم أخبر برجوع الكل إليه : من رجع وأناب إليه ، ومن لم يرجع ولم ينب إليه ؛ على الوعيد حيث قال :
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ . . .
الآية ، وهو كقوله :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ . . .
[ النساء : 172 ] إلى قوله :
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
[ النساء : 172 ] ، أي : من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعا ؛ فعلى ذلك الأول ، والله أعلم .
وقوله :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
.
لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك ؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال ، لكن لا نعلم ما كان السؤال ؟ وعم كان ؟
فإما أن كان السؤال عن علمه ، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر ، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق ، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
، أي : يعلمها الله ؛ فإن كان على هذا [ الذي ] ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبدا مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم ؛ لما لا يخفى عليه شيء .
أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه ؛ فأخبر أن الله - تعالى - قادر على