تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
والثاني : في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم ، والله أعلم . وقوله :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ
. يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين : أحدهما : الصلاة التي عرفتها العرب ، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله والتحميد له والتمجيد ؛ كقوله :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ . . .
الآية [ الأحزاب : 56 ] . وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة ؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هو الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته ؛ ليكون أبدا في كل حال متضرعا إلى الله ، مظهرا حاجته إليه ومثنيا عليه ، واصفا عظمته وجلاله وكبريائه . والثاني : أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت ؛ فإن كان هذا ففيها - أيضا - ما في الأول من الدعاء والثناء على الله - تعالى - والوصف له بالعظمة والجلال ؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك . وإن كان أراد بالصلاة : الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة ، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
[ إبراهيم : 40 ] وقول عيسى حيث قال :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
[ مريم : 31 ] ، والله أعلم . وقوله :
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
. المعروف : اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع . والمنكر : اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع . ثم يخرج قوله :
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
على وجوه : أحدها : المعروف الذي جاءت [ به ] الرسل عن الله ، وشرعوه للخلق ، ودعوا [ إليه ] الخلق . والمنكر - أيضا - : هو الذي أنكرته الرسل ، ونهت الخلق عنه . أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح ، ويستحسنه كل طبع سليم . والمنكر : هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله ، ويستقبحه كل طبع سليم ، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه . أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر ؛ فكله يرجع إلى واحد : إلى ما ذكرنا بدءا ، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب . وقوله :
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
.