تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر : ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة ؛ فيخافون قدرة الله ، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه . أو أن يكون السؤال عن الرزق ؛ فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله سبحانه ؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك ؛ ليكونوا أبدا في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك ، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون ؛ وكذلك قال :
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 3 ] . أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف ، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره ، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
: من خير أو شر ،
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ
: في جبل ،
أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
، أي : يجازيها الله ؛ فيكون على هذا التأويل كقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] ، فأي شيء كان ، ففي ذلك : دلالة وحدانية الله ، ودلالة علمه وتدبيره ، ودلالة قدرته وسلطانه ، ودلالة الثقة به ، والتوكل عليه في الرزق ، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
. قال عامة أهل التأويل « 1 » : إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة ، خبير بمكانها ، وتأويل هذا الكلام : أي : يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد ، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته . واللطيف : هو البار . ثم يخرج هو على وجهين : أحدهما : فيما أرسل من الرسول ، وما أنزل من الكتب ؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإلى ما به نجاتهم ، خبير بحوائجهم . والثاني : تأويل اللطيف يحتمل وجهين : أحدهما : البار على ما ذكرنا .
هامش
( 1 ) قاله قتادة بنحوه أخرجه ابن جرير ( 28107 ) ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 5 / 320 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 305 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم