تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وقوله :
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
: كانوا إذا رأوه هزءوا به ، إذا خلا بعضهم إلى بعض يقولون فيما بينهم : أبعث الله بشرا رسولا ، هكذا كانت عادة الكفرة يهزءون به إذا حضروه ، وإذا غابوا عنه قالوا ما ذكر . وقوله :
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها
: في قوله :
كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا
دلالة أنه إنما أراد أن يضلهم عن عبادتهم الأصنام بالحجج والآيات ؛ إذ ليس في وسع النبي صرفهم ومنعهم عن ذلك إلا من وجه لزوم الآيات والحجج ، إلا أنهم رفضوا تلك الآيات والحجج ، وكابروها وثبتوا على عبادة الأصنام والأوثان ، وإلا علموا - من جهة الآيات والحجج التي أقامها عليهم - أنه على الحق ، وأنهم على باطل . ثم قوله :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
أي : يعلمون حين لا يقدرون على الجحود والإنكار إذا أنزل بهم العذاب ، ووقع : من أضل سبيلا هم أو المؤمنون ؟ لأنهم وإن علموا بالآيات والحجج أنه على الحق ، وأنهم على باطل ، وعلموا الموعود من العذاب فأخبر أنهم يعلمون عند وقوعه بهم علما لا يقدرون على جحوده ولا إنكاره ؛ كقوله :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
وهذه الآية ، وقوله :
أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
، وقوله :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً
، وأمثال ذلك إذا عاينوا الموعود في الدنيا يقرون به لا يقدرون على الجحود ؛ فكذلك قوله :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
علما لا يقدرون على الإنكار والجحود
حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
. وقوله :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
: قال بعضهم « 1 » : إنهم كانوا يعبدون أشياء حجرا أو غيره ، فإذا رأوا أحسن منه في رأي العين والمنظر ، تركوا عبادة ذاك ، وعبدوا ما هو أحسن منه . وقال بعضهم « 2 » : كلما هوت أنفسهم شيئا عبدوه ، وكلما اشتهوا شيئا أتوه ، لا يحجزهم عن ذلك ورع ولا تقوى لله . ويحتمل وجهين آخرين سوى [ ما ] ذكر هؤلاء : أحدهما : تركوا عبادة الإله الذي قامت الحجج والآيات بألوهيته وربوبيته ، ولزموا
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه ، وعن أبي رجاء العطاردي أخرجه ابن مردويه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 132 ) . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ، وعن الحسن أخرجه ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 132 ) .