تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
يقول : لا تملك شيئا مما ذكر ، على علم منكم أنها لا تملك ذلك ، فيقول : فكيف تشركونها في ألوهيته ؟ ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون ، فقال :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
. لأن حرف
سُبْحانَهُ
حرف تنزيه عن جميع العيوب ، والتعالي : هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره ؛ هو من العلو ، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره . وقوله :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
. هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قوله :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
، وهو الشرك والكفر ،
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق ، والسرق ، والظلم ، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها ، ذلك هو سبب شركهم وكفرهم بالله ، وبذلك كان شركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم ؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان ؛ كقوله :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] ، وكقوله :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ . . .
الآية [ التوبة : 77 ] ونحوه ؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب . والثاني : أن يكون
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق ، وقوله :
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل ، أي : ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم ؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها ، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة ؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم ، ذكر اليد ؛ كقوله :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
[ الحج : 10 ] ، ولعله لم يقدم شيئا ، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا ، ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم . وفي التأويل الآخر : الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق ؛
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
: هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل ، لا على حقيقة كسب الأيدي ؛ ولكن لما ذكرنا . ثم اختلف في قوله :
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
: قال بعضهم « 1 » : البر : هو المفاوز التي لا ماء فيها ، والبحر : القرى والأمصار .
هامش
( 1 ) قاله عكرمة ، أخرجه ابن جرير ( 27998 ) و ( 27999 ) ، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 301 ) .