تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
عند الله ، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور ؛ حيث قال :
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
[ البقرة : 276 ] : ذكر المحق وهاهنا ذكر :
فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
، أي : لا يزداد ولا يتضاعف . لكن لو قيل : إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا ، ويكون قوله :
فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
كقوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : 16 ] : إنها إذا لم تربح خسرت ؛ ألا ترى أنه قال :
وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ التوبة : 69 ] ؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت ؛ فعلى ذلك قوله :
فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
: إذا لم يرب عنده محقه وخسروا ، فهو - والله أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا ؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الهدية يبتغى بها وجه الرسول ، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة » « 1 » . ثم بين ما الذي يربو عند الله ، وهو ما قال .
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
. ثم اختلف فيه : منهم من قال : هو ما يزكون من زكاة المال ؛ يريدون به وجه الله ؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه . ومنهم من قال : كل صدقة أعطاها ؛ أراد وجه الله ، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله .
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
. وكان يجيء أن يقال : فأولئك هم المضعفون بنصب العين ؛ لأنه هو يضاعف « 2 » لهم ، لكن الزجاج « 3 » يقول : هو كما يقال : الموسر - هو الذي له يسار ، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه ؛ فعلى ذلك : المضعف هو الذي له الضعف . وعندنا : هم المضعفون ؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة ، بتصدقهم ابتغاء وجه الله ؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك . ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس ؛
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( 215 ) ، وأبو داود ( 4813 ) ، والترمذي ( 2034 ) ، عن جابر بن عبد الله قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من صنع إليه معروف فليجزه ، فإن لم يجد ما يجزه فليثن عليه ؛ فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره ، ومن تحلى بما لم يعط كأنما لبس ثوبي زور » . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 5 / 417 ) . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن وإعرابه ( 4 / 188 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 281 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم