وحرمانه ، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم ، والله أعلم .
وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله ، فهو أن في ذلك تناقض ، وذلك أنهم قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، و
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا ، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق ، وفي الآخرة لا يحتمل ؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون ، فهو متناقض وسفه وسرف في القول .
وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة ؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا ، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها ، فالناس في ذلك ، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع ؛ فدل أن له في ذلك صنعا حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير ، والله أعلم .
وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يحتمل وجهين :
أحدهما : ما ذكرنا : يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار .
والثاني : لقوم ينتفعون بإيمانهم ، والمؤمنون هم المنتفعون بها ، فأما من كفر بها فلا ينتفع .
وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون ، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب . أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر ، فلم يقضها : أن يرى حرمانها من الله ، لا من ذلك الرجل .
وقوله :
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
.
يحتمل قوله :
حَقَّهُ
أي : حاجته ، لا على حق كان له ، كقوله :
ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ
« 1 » [ هود : 79 ] ، أي : من حاجة ؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق ، ولكن أرادوا بالحق الحاجة ، فعلى ذلك الأول ، وكذلك قوله :
وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
:
أي : سد المسكين حاجته ومسكنته ، وكذلك ابن السبيل .
ويحتمل قوله :
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
: الحق الذي كان لهم ، لكن لم يبين ذلك الحق
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : لا يراد به حق كان لهم عليه ، كقولهم : ( ما لنا . . . ) شرح .