تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وفي قولهم :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ
وجه آخر : وهو أن يقال : ما هذه المحاسن والأعمال [ التي ] تعملون وتعدون محاسن وصلاحا في هذه الدنيا إلا لهو ولعب ؛ لما لا تبقى ولا تنتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه الله والدار الآخرة ، وهو ما قال :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
أي : هي الباقية الدائمة
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
. وقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
قد ذكرنا في غير موضع : أن الاستفهام من الله يخرج مخرج الإلزام والإيجاب ، أو يخرج مخرج الخبر ، لا على حقيقة الاستفهام ؛ لأنه عالم بذاته ، يعلم ما في باطنهم وظاهرهم ، وما يسرون وما يعلنون ، بما كان ويكون ، لا يستفهم عباده شيئا ، ولكنه يخرج على ما ذكرنا على الخبر ، أو على الإلزام والإيجاب ؛ فالخبر كأنه يقول : قد رأوا وعلموا أن الله جعل الحرم مأمنا لهم يأمنون فيه ، وكان الناس حولهم يتخطفون ويخافون ، والإلزام والإيجاب أن يقول لهم : اعلموا أن الله جعل لكم الحرم مأمنا تأمنون فيه والناس من حولكم على خوف يسلبون ويسبون ويقتلون . ثم يخرج تذكيره إياهم هذا على وجهين : أحدهما : أن الله قد جعل لكم الحرم مأمنا تأمنون فيه ؛ لتعظيمكم حرم الله وبيته ، والناس حولكم على خوف ، وأنتم تشاركون من حولكم في الدين ، فكيف تخافون الاختطاف والاستلاب إذا دنتم بدينه واتبعتم رسوله ، فإذا آمنكم بكونكم في حرم الله وتعظيمكم بيته ، ودفع عنكم الاستلاب والاختطاف ، فكيف تخافون ذلك إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره ؟ ! بل الأمن والسعة إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره أكثر وأحق ؛ فكأنهم إنما تركوا اتباع دينه خوفا من الاختطاف ؛ كقولهم :
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
فقال لهم :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ القصص : 57 ] . أو يذكر هذا لهم : أنه قد أمنكم وصرف عنكم مع عبادتكم الأصنام وصرفكم الشكر إليها عند كل مكروه وسوء بكونكم في مجاورة بيته وحرمه ، فإذا صرفتم العبادة إليه وشكرتم نعمه - أحق أن يؤمنكم ويوسع عليكم نعمه ويدفع عنكم ما لم يدفع عمن حولكم ، وأنتم شركاؤهم في عبادة الأصنام واتخاذهم إياها آلهة . على هذا يخرج ، والله أعلم . وقوله :
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
يحتمل قوله :
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
أي : بما أوحى إليكم إبليس من الباطل تؤمنون ، وهو ما أوحى إليهم : أن هؤلاء شفعاؤكم عند الله وعبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى ؛ كقوله :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ . . .
الآية [ الأنعام : 121 ] .