تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
[ العنكبوت : 65 ] . ويحتمل وجها آخر : وهو أن جعل فتنة الناس في ترك الإيمان كعذاب الله في ذلك ، أي : جعل العذاب الذي من الناس كأنه من الله جاء فترك الإيمان . وقوله :
أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ
: فإن كانت الآية فيمن حقق الإيمان بالله سرا وعلانية ، فيخرج هذا على التعيير له في ترك الإيمان بما عذب به ؛ لأنه كان يقدر أن يظهر الكفر لهم باللسان ؛ فيدفع العذاب عن نفسه ، ويكون في الحقيقة في السر مؤمنا على ما ذكر :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
[ النحل : 106 ] . وإن كانت الآية في المنافقين ، فيقول : كيف أسررتم الكفر والخلاف له في القلب ، وأنتم تعلمون أن الله عالم بما في صدور العالمين ؟ ! فيخبر رسوله بما أضمروا وأسرّوا من الخلاف ، والله أعلم . وقوله :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
: قد ذكرنا تأويل هذا : أن يعلم كائنا ما قد علم أنه سيكون ، ويعلم موجودا ظاهرا ما قد علم أنه يوجد ويظهر . وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
: كأنهم قالوا ذلك لهم بعد ما عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة فيما عند الناس ، وبعد ما انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها ، فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك اشتغلوا بما ذكر وقالوا للمؤمنين ما ذكر .
اتَّبِعُوا سَبِيلَنا
أي : ديننا ،
وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
يقولون - والله أعلم - : اتبعوا سبيلنا فإنه صواب ، فإن أصابكم خطأ أو أخطأتم في الاتباع له فإنا نحمل خطاياكم . وقال بعضهم : قالوا لمن آمن منهم : لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا ، وإن كان عليكم شيء فهو علينا ؛ وهو قريب من الأول . أو أن يقولوا لهم : اتبعوا سبيلنا ؛ فإن الله أمرنا به ، فإن أخطأتم في ذلك فإنا نحمل خطاياكم أو نحوه ، فهذا القول منهم متناقض ؛ لأنهم ذكروا أنهم كانوا يخطئون في الاتباع لهم دينهم ، إلا أن يريدوا بذلك ما ذكرنا . والثاني : إنما كانوا يضمنون ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في الخطايا ، ولكن بإذن من عليه ذلك ، وذلك لا يصلح الضمان بإذن من عليه . ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حيث قال :
وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
. يحتمل قوله :
إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فيما يذكرون من حمل خطاياهم ، أي : لا يقدرون على