تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ويقول : آمنت - كاذبا ، فجعل الله تعالى للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك ، وهو ما أخبر عن المنافقين فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ . . .
الآية [ الحج : 11 ] ، هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء ، و [ هو ] ما قال :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
[ الأنبياء : 35 ] ، فإنما يظهر صدق الرجل في إيمانه بما يصيبه من الشدة ، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى نفسه ، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه ، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل عليه تحمل ذلك . ثم قال بعضهم : نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان ، وأضمروا الخلاف والكذب . وقال بعضهم : نزلت في قوم آمنوا بالله وبرسوله حقيقة ، ثم عذبوا بأنواع العذاب ؛ فتركوا الإيمان وكفروا به ؛ وفيهم نزل :
فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
[ العنكبوت : 10 ] فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله ، يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته ؛ ليظهر صدقه عند الناس فيعاملونه على ذلك ، والله أعلم . وقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
: [ ذكرنا ] فيما تقدم أنه يعلم ظاهرا كائنا ما قد علمه غير كائن أنه يكون ، وليعلمه موجودا ما قد علمه غير موجود أنه يوجد ، والله أعلم . وقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
: هذا أيضا يخرج على وجهين : أحدهما : قد حسب الذين . . . ما ذكر . والثاني : لا يحسب ؛ على النهي . وقوله :
أَنْ يَسْبِقُونا
: لا أحد يقدر أن يسبق الله في عذابه ونقمته ، لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها ، ورأوا أيضا عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث ؛ كقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ
[ ص : 27 ] حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا ، وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل ، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا ، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء ، والله أعلم . وقوله :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
: أضاف اللقاء إلى نفسه ، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[ التغابن : 3 ] ، وقوله :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] ، وقوله :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
[ إبراهيم : 21 ] ونحوه ، هذا كله لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها ، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة ، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة ؛ إذ لو لم يكن آخرة ، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعبا باطلا ؛ كقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون :
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 208 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم