أو أن يقال ما قال أهل التأويل : إن
فَعَسى
من الله واجب ، وهو ما ذكرنا أن كل استفهام كان من الله فهو على اللزوم والوجوب ؛ فعلى ذلك حرف ( عسى ) ، و ( لعل ) ، وإن كان حرف شك في الظاهر ، فهو من الله على الوجوب واليقين .
قال أبو معاذ : الفلاح في كلام العرب البقاء ، ويقال : النجاة ، وقد ذكرناه في غير موضع .
قوله تعالى :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 68 إلى 70 ]
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 )
وقوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
: يقول - والله أعلم - :
وربك يختار للرسالة من يشاء ويجتبيه لها ، فيجعلهم رسلا .
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
: يقول : لم يكن لهم أن يختاروا هم ، ولكن الله يختار ويصطفي من يشاء ردّا لقولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ . . .
الآية [ الزخرف : 31 ] ، إلى هذا ذهب بعضهم .
وجائز أن يكون هذا في كل أمر ، أي : وربك يختار ما يشاء ويأمر ، وما كان لهم الخيرة من أمره أي : التخلص والنجاة من أمره ؛ كقوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
[ الأحزاب : 36 ] أي : أمر الله ورسوله أمرا ،
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] .
والقضاء هاهنا أمر ، لكنه يحتمل وجهين :
أحدهما : على الوقف على قوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
، والابتداء من قوله :
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
من أمرهم ، فإن كان على هذا فيكون ( ما ) هاهنا ( ما ) جحد ، أي : لم يكن لهم الخيرة من أمرهم .
والثاني : على الصلة : ليس على الحجاج ، فيكون تأويله : وربك يخلق ما يشاء ويختار الذي لهم الخيرة أن يكون ، الوقف على هذا على قوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
، ثم يقول
وَيَخْتارُ
الذي لهم
الْخِيَرَةُ
.
قال أبو معاذ : قرئ
الْخِيَرَةُ
بجزم الياء وبتحريكها
الْخِيَرَةُ
.
ثم قوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
على المعتزلة من وجهين :
أحدهما : ما أجمعوا عليه أن الله قد شاء جميع ما يفعله العباد من الخيرات والطاعات ، فإذا شاء ذلك دل أنه خلقها لهم ، أخبر أنه يخلق ما يشاء وقد شاء الخيرات ؛ فدلّ ذلك على خلق أفعال العباد .