تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
: كأنهم قالوا ذلك لأحد وجهين : إما استهزاء بما يخبرهم الرسل أنكم تبعثون ، أو قالوا ذلك احتجاجا بما احتجوا به على الرسل بقولهم الذي قالوا :
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
، يحتجون فيقولون : لقد وعد آباؤنا بالبعث كما وعدنا نحن ، ثم لم نرهم بعثوا منذ ماتوا ؛ فعلى ذلك نحن وإن وعدنا فلا نبعث كما لم تبعث آباؤنا . ثم قال :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
: يقول - والله أعلم - : لو سرتم في الأرض فنظرتم إلى ما حل بمكذبي الرسل من العذاب ، والرسل إنما كانوا يدعون إلى توحيد الله ، والإقرار بالبعث بعد الموت ، فكل ذلك ينزل بكم ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل بالبعث وغيره ؛ فيكون قوله :
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
ليس على حقيقة الأمر بالسير ، ولكن على ما ذكرنا ، أي : لو سرتم لعرفتم ما حل بهم بتكذيبهم ، أو أن يكون الأمر بالسير في الأرض أمرا بالتفكر فيما نزل بأولئك ، الأمر بالنظر في عاقبة أمرهم أمر بالاعتبار فيهم ، وفي أمر أولئك أمر بهذا ؛ ليزجرهم ذلك عن مثل صنيعهم وفعلهم . وقوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
: قال قائلون : قوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
بما يحل بهم من العذاب ، إن لم يحزنوا هم على أنفسهم ولم يرحموها . وقال بعضهم : قوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
إن لم يسلموا ؛ كقوله :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
[ الكهف : 6 ] ؛ وكقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 3 ] ، وقوله :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] ، وأمثال ذلك ، كادت نفسه تهلك وتتلف ؛ إشفاقا عليهم بما ينزل بهم بتركهم الإسلام ، فقال :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ، ليس على النهي ، ولكن على تسكين نفسه وتقريرها على ما هي عليه ؛ لئلا تتلف وتهلك ، وهو ما قال :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
[ القصص : 56 ] . وقوله :
وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
: هذا يحتمل وجهين : أحدهما : لا تكن في ضيق مما يستهزءون بك ، ويسخرون بما توعدهم من العذاب