تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وقوله :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
: يخرج على الصلة بقوله :
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
؛ كأنه يقول : من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير ، أمّن لا يملك من ذلك شيئا ؟ فجواب ذلك أن يقولوا : بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك . أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما : أحدهما : أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله تعالى ، لا الأصنام التي تعبدونها ، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة ؟ ! والثاني : أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع ؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له ؛ فهذا على الثنوية ، والأوّل على المشركين ؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسميته الإله . وقوله :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي : لا إله مع الله
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
. وعلى ذلك يخرج قوله :
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
على الوجوه التي ذكرناها ؛ وكذلك قوله :
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم ؛ يلزمهم البعث بهذا أي : من يقدر [ على ] هذا يقدر [ على ] ما ذكر .
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي : لا إله مع الله ، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون . وقوله :
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
أي : من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره ،
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في مقالتكم . وقوله :
بُشْراً
من البشارة و « نشرا » بالنون من التفريق والرفع . وقوله :
خُلَفاءَ الْأَرْضِ
: يخلفون من قبلهم من الأمم ؛ قال أبو معاذ : وواحد خلفاء خليف ، وواحد الخلائف خليفة ، والخليف من الخالف كالعليم من العالم . وقوله :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
يقول - والله أعلم - يفعل ذلك ، أي يرزقكم ، وينزل لكم من السماء ماء ، وينبت من الأرض ما تأكلون ، ويرعى أنعامكم ، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر ، ويرسل لكم الريح بشرا ، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه ، وكل ما ذكر ، أي : ليس معه إله سواه ، بل الله يفعل ذلك وحده ، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته ، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئا أن يفعل ذلك