حيث قالت :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
فكأنهم قالوا : ممن ذلك الكتاب ؟
فقالت عند ذلك
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
.
وقوله :
كِتابٌ كَرِيمٌ
: قال بعضهم « 1 » : أي : حسن ؛ لما رأت فيه من الكلام الحسن والقول اللطيف .
وقال بعضهم :
كِتابٌ كَرِيمٌ
أي : مختوم ، وقد ذكر في الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال :
« من كرم الكتاب ختمه » أو كلام نحو هذا أو شبهه .
وجائز أن يكون فيه إضمار ، أي : إني ألقي إليّ كتاب من إنسان كريم ، وسليمان كان معروفا بالكرم ، يشبه أن يكون قد أتاها خبر كرمه .
و
الْمَلَأُ
قالوا : هم الأشراف وأهل السؤدد .
وقال الزجاج « 2 » : سموا لما اجتمع عندهم من حاجات الناس ، وحسن الرأي والتدبير في كل شيء من الأمور ، أو كلام نحو هذا .
وقوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
: هو ما ذكرنا كأنهم سألوها ممن ذلك الكتاب ؟ فقالت :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
، وسألوها - أيضا - : ما في ذلك الكتاب ؟
فقالت :
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
.
قوله :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
أي : لا تتكبروا ولا تتعظموا عليّ .
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
: مخلصين لله بالتوحيد ، أي : اجعلوا أنفسكم سالمة لله خالصة له ، لا تجعلوا لأحد سواه فيها شركا ولا حقّا ؛ لأنه أخبر أنهم كانوا يسجدون للشمس من دون الله فيخبر في الكتاب ، حيث افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم : أن الذي يستحق السجود والعبادة هو الله الرحمن الرحيم لا ما تعبدون أنتم .
ثم إن من عادة الأنبياء والرسل الإيجاز في الكلام والرسائل ، لا يشتغلون بفضول الكلام وتطويله ، على ما ذكر من كتاب سليمان إلى بلقيس :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
ذكر هذا القدر كان الكتاب ، والله أعلم .
وقوله :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
: استشارت أشراف قومها وطلبت منهم الرأي في ذلك ، وهكذا عمل الملوك وعادتهم أنهم إذا أرادوا
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 26948 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 200 ) .
( 2 ) ينظر : معاني القرآن وإعرابه ( 4 / 118 ) .