وقوله :
يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الخبء : ما يخبأ من الشيء ما كان .
قال بعضهم : خبأ في السماء المطر فيخرج ، وفي الأرض النبات فيخرج ذلك النبت .
ويحتمل الخبء ما يخبئ بعضهم من بعض ويسر بعضهم بعضا ، يخبر أنه يظهر ذلك ويعلمه ؛ ألا ترى أنه قال :
وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ
على الوعيد ؛ ليكونوا على حذر أبدا .
وفي حرف حفصة : ألا يسجدون لله الذي له الغيب في السماوات والأرض .
وقوله :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
ذكر هذا - والله أعلم - جواب قوله :
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
، يقول : رب العرش العظيم هو الله الذي لا إله إلا هو ، لا هي ، أعني : بلقيس .
وقوله :
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
أي : ننظر أصدقت فيما أخبرت وأتيت من أمر بلقيس ، أم كنت من الكاذبين في ذلك ؟ وقف في خبره ، ولم يصدقه ولم يكذبه إلى أن يظهر له الصدق أو الكذب ؛ وهكذا الواجب على كل من أخبر بخبر أن يقف فيه إلى أن يظهر له الحق في ذلك ، إذا كان الخبر ممن يحتمل الغلط والكذب .
ثم قال له :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
: لا يحتمل أن يكون سليمان أمر الهدهد بذهاب الكتاب إليها ويوليه تبليغ ذلك إليها ، وهو أعظم من خبره الذي أخبره بذلك بعد ما وقف في خبره قبل أن يتبين ويظهر له صدقه في خبره ؛ فدل توليته إياه تبليغ الكتاب إليها أنه قد ظهر له صدقه فيما أخبره من أمر تلك المرأة ، إما بوحي من الله تعالى إليه ، أو انتهى إليه من الخبر ما قد علم بذلك علم يقين وإحاطة ، فعند ذلك ولاه تبليغ الكتاب إليها حيث قال له :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ
.
وقوله :
ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ
يحتمل وجهين :
أحدهما : ألق الكتاب إليهم ثم تول ، أي : استتر واختف عنهم ، فانظر ما ذا يقولون ، وما ذا يرددون فيما بينهم من الكلام والجواب ؟
والثاني : على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : ألق الكتاب إليهم ، فانظر ما ذا يرجعون من الجواب ؟ ثم تول عنهم ، أي : أعرض عنهم ؛ ففعل ما قال له سليمان من إلقاء الكتاب إليها ، وإن لم يذكر في الآية .
قوله تعالى :
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 29 إلى 35 ]
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ( 33 )
قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 )