تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وقوله :
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
: قال ذلك - والله أعلم - للرسول الذي أتاه بالهدية :
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
، أي : لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها إن لم يأتوني مسلمين ،
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
إن لم يأتوني مسلمين . ثم قال سليمان - عليه السلام - :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ
إنما خاطب به أشراف قومه ، وهكذا العادة في الملوك أنهم إذا خاطبوا أحدا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمنزلة منهم .
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
: قال بعض أهل التأويل « 1 » : إنما قال هذا لأنه علم نبي الله متى أسلموا يحرم أموالهم مع دمائهم ، فأحب أن يؤتى به قبل أن يحرم ذلك عليه ، لكن هذا محال بعيد وفحش من القول لا يحتمل أن يكون رغبة سليمان في الأموال هذا الذي ذكر بعد ما رد هداياها إليها ، وأخبر : إنكم تفرحون بها ؛ لأنكم أهل دنيا ؛ إذ رغبة أهل الدنيا في الأموال ، ونحن أهل الدين رغبنا في الدين به نفرح ، ويستعجل كل هذا الاستعجال رغبة في مالها وعرشها . لكنه - والله أعلم - يخرج على وجهين : أحدهما : أنه أراد أن يريهم قوته وسلطانه أن يرفع واحد من جنوده عرشها - مع عظمه - بمعاينة منهم ومشاهدة وحمله من بينهم ؛ ليعلموا أن من قدر على ذلك لقادر أن يأتيهم بجنود لا طاقة لهم تصديقا لما قال :
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
، ويقدر على قهرهم وغلبتهم . والثاني : أراد أن يريهم آية من آيات نبوته إذا أتوه
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك . وهذا التأويل الذي ذكرنا آية ، لكنه قبل أن يأتوه ؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك . وقوله :
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
أي : مصالحين ، وذلك جائز في اللغة . وقوله :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
: قال بعضهم « 2 » : مقامه : مجلسه الذي كان يقضي فيه إلى أن يفرغ من قضائه حتى يؤتى به .
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
: لأن الجن أقوى من الإنس وصف نفسه بالأمانة ؛ لأن الجن لا يرغبون في الأموال ما يرغب الإنس .
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 26980 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 204 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن أبي شيبة ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 204 ) ، وعن مجاهد وقتادة ووهب بن منبه أخرجه ابن جرير عنهم ( 26989 ) ، ( 26990 ) ، ( 26991 ) .