تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وَالْإِنْسِ . . .
[ الأعراف : 179 ] ونحوه كثير ، وقوله :
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
[ الأنعام : 38 ] ليس في الخطاب والتكليف ، ولكن في أشياء كثيرة . وقوله :
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
أي : لم يمكث طويلا حتى جاءه . وفي حرف ابن مسعود : فمكث غير بعيد ثم جاءه .
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
: كأنه سأله : أين كنت ؟ فقال عند ذلك له :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
. وفي حرف أبي : أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك ، أي : بلغت ما لم تبلغ أنت ، أي : علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك . ثم قال :
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
: لا شك فيه ؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ ، فقال عند ذلك - والله أعلم - :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله :
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
. ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك الخفاء ، وكانت بقرب منه ، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك ، وكان يذهب في كل غدو مسيرة شهر ، وفي كل رواح كذلك ، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها ؟ ! وكانت الجن والشياطين مسخرين له ومذللين ، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة ، ويطوفون في الآفاق والأفق ، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد الله ، كيف خفي عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء ، حتى أخبره بذلك الهدهد ؟ ! هذا - والله أعلم - أمر عجيب ، ومن عادة الملوك - أيضا - أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض ، ويعلم بأحواله . لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك ، وأن يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر ؛ تعظيما له وإجلالا ؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن يخبره عن كل أمر وخبر إلا بعد السؤال إياه ؛ تعظيما لهم وتوقيرا ، فعلى ذلك أمر سليمان مع بلقيس . أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك ، ولم نشعر به . وقال بعض أهل التأويل في قوله :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
: إنما طلبه وتفقده ؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس ، فلما نظر إلى الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس ، فعند ذلك قال :
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
. وقالوا في قوله :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
أي : لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس ، فذلك هو العذاب الشديد ، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده سليمان مخافة الكذب والله أعلم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 109 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم