تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
الْوَدْقَ
أي : المطر
يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
و
خِلالِهِ
،
سَنا بَرْقِهِ
ضوؤه . قال أبو عوسجة : والركام : الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض ؛ يقال : ارتكم الشيء ، أي : صار بعضه على بعض ، ويقال : ركمت المتاع أركمه ركما : إذا جعلت بعضه فوق بعض ، والودق : المطر ؛ يقال : ودقت السماء تدق ودقا : أي : مطرت
يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
أي : من بينه ، وواحد الخلال : خلل ،
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ
السنا مقصور ، وهو الضوء ؛ يقال : السنا : النار ، وهو واحد . وقوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
هو - والله أعلم - صلة قوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
الآية ؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة ، وذكر - أيضا - تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة ؛ فعلى ذلك قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره ؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء ، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك ، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته ، لا بعلم وتدبير مستفاد ، ولكن علم ذاتي ؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة . والثاني : أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم ، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك ، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته ، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب ، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية ؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر . ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثا ليتركهم سدى ، لا يأمرهم ولا ينهاهم ؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء . ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء ، وأنه لا يعجزه شيء ؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا « 1 » . وقوله :
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ
يذكر هذا - والله أعلم - لأحد وجهين : إما تذكيرا إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم ؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويّا من غير أن كان منهم اختيار لذلك .
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 423 ) .