تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
منها الثلج والبرد . وقال بعضهم : جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل . وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد ، سوى أنه أخبر أن فيها بردا ؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها ؛ إما للكثرة ، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانيا ؛ كقوله :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً . . .
الآية [ النمل : 88 ] ؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها ، أو لا يدري أين هي : في السماء أو فيما بين السماء والأرض ؟ وقوله :
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ
في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره ،
وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
فلا يصيبه ، وإن كان على هذا فهو يخرج على « 1 » التعذيب ، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان ، ويترك مكانا لا يعمه ، ولكن يصيب مكانا ويخطئ مكانا . وجائز أن يكون قوله :
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ
من بركته
وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
من بركته ،
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ
قيل : ضوء برقه ، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره ،
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
تقليبه الليل والنهار واختلافهما : يأتي بهذا ويذهب بالآخر . يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
الآية ؛ يخبر عن سلطانه ، وقدرته ، وتدبيره ، وعلمه ، وحكمته ، ووحدانيته ، وقدرته ، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض ، وتسخيره ، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته ، لا يعجزه شيء ، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان ، وتخطيه موضعا دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك ، لا بطباع السحاب ، أو على جزاف . ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا ، وفي اختلاف الليل والنهار ، وتقليبهما من حال إلى حال ، من النقصان إلى الزيادة ، ومن الزيادة إلى النقصان ، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنّه تدبير واحد ، لا عدد ؛ إذ لو كان تدبير عدد ، لمنع بعض بعضا عما يريد من التدبير والنفع ، دل ذلك كله على أنه واحد ، عليم ، قادر ، مدبّر ، لا يعجزه شيء ؛ ولذلك قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار . قال القتبي « 2 » وأبو عوسجة :
يُزْجِي
أي : يسوق
رُكاماً
بعضه فوق بعض
فَتَرَى
هامش
( 1 ) في أ : عن . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ص ( 306 ) .