تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
قوله :
أَ لَمْ تَرَ
، و
أَ لَمْ تَعْلَمْ *
، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام ، يقول الرجل لآخر : ألم تر كذا ، وألم تعلم كذا ؛ على التعجيب أو على الاستفهام ، لكنه يخرج من الله على وجهين : أحدهما : أي : قد رأيت وعلمت ؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه . والثاني : على الأمر ؛ أي : اعلم وره ؛ على ما ذكرنا في غير موضع . وقوله :
يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. يحتمل تسبيح من ذكر وجهين : أحدهما : تسبيح خلقة وصنعة ؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه ، والشهادة له بالربوبية ، والتفرد بالألوهية له . والثاني : يجعل الله - تعالى - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك ، يفهمون هم ذلك من أنفسهم ، ويعرفون أنه تسبيح ؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق ، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[ سبأ : 10 ] ، وقال في آية أخرى :
يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
[ ص : 18 ، 19 ] . ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعا سواء ؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء ، فدل تخصيص سليمان في ذلك ، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة ؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه ، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم ؛ ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن قول النملة ؛ حيث قال :
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ . . .
الآية [ النمل : 18 ] ، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن ، ولكنه معنى ، فهموا منها ذلك ، فعلى ذلك الأول ؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ ؛ حيث قال :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ . . .
الآية [ النور : 24 ] وقال :
شَهِدَ عَلَيْهِمْ . . .
الآية [ فصلت : 20 ] فيفهم هؤلاء من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها ؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا . وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم ؛ ألا ترى أن الله جعل في سرّية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه ، وذلك المعنى لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا ، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره ، جعل في سرّيتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحا له
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 578 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم